كيف انتقلت اللغة النفسية من عيادات المختصين إلى حديث الناس اليومي؟
روعة حسين
الكاتب

أنت تعاني تعلقاً مرضياً، وذاك في علاقة مع شخصٍ نرجسي، وآخر يعاني صدمةً عاطفية. لم يعد من الصعب على أي واحدٍ منا أن يجد تسميةً لحالته فالجواب متاح على منصات التواصل الاجتماعي.
خلال السنوات الأخيرة، انتقلت مصطلحات كانت حكراً على المختصين إلى حديث الناس اليومي، فأصبحت كلمات مثل "النرجسية" و"التعلق المرضي" و"الصدمات" جزءا من مفردات متداولة على نطاق واسع يتقن كثير منا وضعها في مكانها الصحيح أو هكذا يعتقد. لكن هل يعكس هذا الانتشار وعياً نفسياً متزايداً، أم أن المفاهيم المعقدة فقدت شيئاً من معناها وهي تنتقل من العيادة إلى فضاء التواصل الاجتماعي؟
عندما خرجت المصطلحات النفسية من العيادة
أطلق الفضاء الرقمي العنان لمفاهيم مثل النرجسية والصدمات النفسية وأنماط التعلق، لتصبح حرةً تخرج من جعبة من يريد، بعد أن بقيت حبيسة الكتب وغرف العلاج. وبهذا وجدت طريقها إلى البودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي بمختلف أشكاله. وبينما أسهم هذا الانتشار في تعريف كثيرين بمفاهيم كانت بعيدة عن متناولهم، فتح الباب أيضاً أمام تداولها خارج سياقاتها المهنية، لتصبح جزءا من لغة يومية تُستخدم في تفسير العلاقات والخلافات والتجارب الشخصية التي نعايشها يومياً.
وعلى الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل تنامي الاهتمام بالصحة النفسية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح سؤالاً أوسع: لماذا أصبحت اللغة النفسية إحدى أكثر اللغات حضوراً في الفضاء الرقمي؟ ، وما هو سر انجذاب الكثيرين نحو لعب دور المعالج النفسي دون الاكتراث بما إذا كان قد أصاب أو أخطأ؟
يرى الدكتور في مجال الصحة النفسية مهند سيف الدين القنطار، أن انتشار هذه المصطلحات يعود إلى عدة عوامل، تتمثل في هيمنة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على مصادر الثقافة النفسية الأخرى مثل الكتب والمراجع، وسهولة وسرعة الحصول على هذه المعلومات من الإنترنت. بالإضافة إلى النزعة البشرية لمعرفة الطبيعة النفسية للإنسان. فضلاً عن انتشار الحروب والكوارث التي انعكست سلباً على حياة الناس النفسية.
من الفهم إلى التشخيص
لم يعد استخدام هذه المفردات مقتصراً على محاولة فهم الذات، بل امتد إلى تفسير سلوك الآخرين أيضاً. فنحن نميل بطبيعتنا إلى تفسير ما نراه وفق تجاربنا الخاصة، وبين نشوة الاعتقاد بأننا فهمنا الآخر، وخيبة السقوط في فخ التشخيص الخاطئ، لا نتوقف عن لعب هذا الدور.
فالمصطلحات التي تصب في مجال العلاج النفسي ربما أصبحت وسيلتنا لنصل إلى فهم أعمق وتسمية أدق لما نمر به من تقلبات وأزمات لا تكف الحياة عن مرواغتنا بها.
لكن كيف يمكن لنا الجزم نحن بتسمية حالة بعينها في وقت لا يزال فيه المختصون أنفسهم يختلفون حول تفسير بعض هذه المفاهيم؟
ورغم أن هذا الانتشار لا يعكس ارتفاعا في الوعي بالصحة النفسية، وهو ما يؤكده القنطار، والذي يرى أنه يعكس ضرورة الاهتمام والمعرفة بهذه المفاهيم في وقتنا الحالي، هذه المفاهيم التي لا تمثل إجماعاً في الرأي بين الأطباء والخبراء والمحللين النفسيين، إذ أن الاختلاف على تفسيرها مازال قائماً بين المدارس المختلفة في الطب النفسي والتحليل النفسي.
ويحذر القنطار من أن هذا الاستخدام الفضفاض قد يؤدي إلى "إضفاء الصفة المرضية على طبائع الناس"، كما يدفع كثيرين إلى التماهي مع مصطلحات يقرؤونها دون الرجوع إلى المراجع العلمية أو استشارة المختصين.
هل نحن أكثر وعياً أم أكثر ارتباكاً؟
يرى القنطار أن غالبية الناس اليوم يمتلكون مفردات يصفون فيها حالتهم النفسية دون أن تعكس هذه المفردات رأي مختص، فضلاً عن ذلك أصبح الناس اليوم يعزون كل اختلاف في سلوك الآخرين، أو يميلون إلى توصيف كل سلوك مختلف بحالة مرضية او حالة نفسية وهذا يجرد صاحب السلوك من تحمل مسؤولية سلوكه .
كما أنه يؤكد على أن انتشار هذه المفردات لا يعكس بالضرورة زيادة في الوعي، بقدر ما يعكس حاجة الناس إلى فهم ما يعيشونه في ظل الحروب والأزمات وتسارع الحياة، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه المفاهيم نفسها ليست محل إجماع بين المدارس النفسية المختلفة.
نمتلك اليوم مفرداتٍ عديدة لوصف ما نشعر به، وهو ما يجعلنا نعتقد بقدرتنا على تشخيص حالتنا النفسية على أقل تقدير، لكن في المقابل ربما قد يدق تشخيصنا السريع ناقوس الخطر ويدفعنا إلى الارتباك واللجوء إلى حلول أبعد من أن تكون خياراً صحيحاً، أو إعطاء كل سلوك منحى نفسي يبرر دون أن ندرك سلوكاً نراه مختلفاً عما نعتقده صواباً.
بين الوعي النفسي والأحكام الجاهزة
لا شك أننا نشهد زيادة في الوعي النفسي وأهمية الصحة النفسية، لكن هل نتجاوز الحد الفاصل ما بين زيادة الوعي النفسي وبين تحويل المصطلحات النفسية إلى أحكام جاهزة أو تشخيصات متسرعة نطلقها باعتبارنا أكثر تجربة ووعياً؟
وهنا أكد القنطار أن الإنسان في الوقت الحاضر أصبح مخيراً بين الحصول على المعلومات المتعلقة بالصحة النفسية والعقلية من خلال بحثه على الإنترنت أو سؤال الذكاء الاصطناعي، وبين حصوله على هذه المعلومات من أخصائيين نفسيين، و باعتبارنا في عصر السرعة يميل غالبية الناس إلى الحصول على المعلومات من منصات التواصل الاجتماعي وهذا ما يمثل الحد الفاصل بين زيادة الوعي النفسي وبين تحول هذه المصطلحات إلى أحكام جاهزة.
ربما نمتلك اليوم كماً هائلاً من المصطلحات النفسية والتي جعلت من تفسير ما نعايشه نحن وغيرنا من حالاتٍ مختلفة أكثر سهولة من أي وقت مضى. وهو ما يضع على الطاولة أمامنا مشكلةً أكبر تتمثل في سهولة استخدام مصطلحاتٍ خارج سياقها. فبين الرغبة في فهم النفس، والتسرع في تفسير الآخرين، تبقى الأسئلة النفسية أكثر تعقيداً من أن تختصرها منشورات قصيرة أو مصطلحات رائجة.
فهل أصبحنا نفهم أنفسنا أكثر فعلًا، أم أننا فقط تعلمنا وضع تسمياتٍ جديدة لما نشعر به؟
[[type:مقالة]]
