شعار ملامح الماءملامح الماء
العودة إلى المقالات
مقالة٢٠٢٦/٠٨/٠٣٢ دقائق

وجوه تُسقط الأقنعة: كيف يغيرنا الآخرون

روعة حسين

الكاتب

وجوه تُسقط الأقنعة: كيف يغيرنا الآخرون

الحياة، حكمها يأتي على هيئة أشخاص يقفون في قلب عاصفتك. تدرك تماماً أن ظهورهم لم يكن عبثاً، وأن طرقكم ما كانت لتتقاطع لولا أن القدر قادهم نحوك. تتساءل عن الحكمة من مصادفة أشخاصٍ يمثلون تحدياً، وآخرين يجسدون جمال الوصول إلى الحقيقة التي نبحث عنها. لكن كما هو الحال دائمًا للحياة الكلمة الأخيرة، فهل نحن مستعدون لنصغي لها، أم سنعلن عصياننا لأحكامها؟

نحن في مدار غيرنا

يقول شخص ما كلاماً سمعته من قبل عشرات المرات، لكنه للمرة الأولى يُحدث أثراً. وكأن الحقيقة كانت تنتظر قائلها، لتجد طريقها إليّ.

إذاً له وحده أن يقول ما لا يمكن لأحدٍ سواه أن يقوله، يكفي أن يعطي نصيحته أو رأيه لتتكسر جميع الحواجز التي صنعتها مخاوفي أو ربما عنادي. نعم، لنا جميعاً أن نقابل أشخاصاً لهم فعل السحر في حياتنا. كلماتهم بمثابة الحكم غير القابل للنقض؛ يواجهوننا بالحقيقة التي اختبأنا خلفها، ونكشف عن خبايا ما كانت لتظهر إلا أمامهم. لو بحثنا عن إجابة تحمل القليل من الفلسفة لوجدنا أن تأثير هؤلاء الأشخاص لا يقتصر على كلماتهم، بل يمتد إلى حضورهم وطريقتهم في التفاعل معنا. ومن وجهة نظرنا هم أشخاص لا نصادفهم في حياتنا إلا مرةً واحدة.

الوجوه التي تختبرنا

نختبر في المقابل أشخاصاً يذكّروننا بأن الحياة لن تكون سهلة كما نتصوّر، وأننا سنفقد الكثير من ذاتنا إن لم ندرك الطريقة الصحيحة للتعامل معهم. وجودهم يضعنا أمام تحدياتٍ داخلية حقيقية؛ فإما أن نحسن التعامل مع خذلانهم وقسوة المواقف التي أجبرونا عليها، ونحوّل هذه التجارب إلى فرصة لاكتشاف هشاشتنا وقدرتنا على المتابعة من جديد، وإما أن ننهزم أمام ضعفنا فيكسرون بداخلنا شيئاً اعتقدناه ثابتاً.

تدفعنا التجارب المؤلمة لإعادة صياغة تصوّراتنا عن الحياة والآخرين. فكيف لنا أن نخرج من كل تجربة قاسية مستمرين في رحلتنا، وقادرين على أن نحمي قلوبنا دون أن نقسو، ونختار بعناية من يستحق البقاء في محيطنا؟

التعلم والنمو من العلاقات

لا أحد يعبر حياتنا بلا معنى. قد لا ندرك ذلك في البداية، لكنهم — بطريقة ما — ينجحون في ملامسة قلوبنا، أو في إحياء وجوهٍ بداخلنا كنا نجهل وجودها. فالتغيّر الذي نعيشه هو حصيلة ما حصدنا من الحب والألم على حدٍّ سواء. إنّ احتكاكنا بالناس ليس إلا سبيلًا لتحطيم القوقعة التي تحيط بكلٍّ منّا. فالخذلان كما الحب، والفقد كما اللقاء، والمشاركة كما الخسارة — جميعها مواقف لها أن تُسهم في رسم ملامح شخصيتنا، ولنا أن نعتبرها جزءًا من رحلتنا، وبهذا نصبح أكثر قدرة على المضيّ مع امتنانٍ لكل من ترك فينا أثراً، مهما كانت طريقته في ذلك.

قد نعتقد أن شخصياتنا تُبنى بقراراتنا وحدها، لكن الحقيقة أن الناس يتركون فيها ما لا نستطيع محوه. فكرة نتبناها، خوف نتجاوزه، قسوة نكتسبها، حدود نتعلم كيف نرسمها، أو حتى نظرة جديدة إلى أنفسنا. لذلك، ربما لم تكن العبارة التي نرددها كثيراً: "الزمن غيّرك"، دقيقة بما يكفي، لأن من يغيّرنا هو كل شخص نقابله، وقد تكون لحظة واحدة كافية، لجعلنا نرى أنفسنا بطريقة مختلفة، أو ربما تشكيل نسخة أخرى نكمل معها طريقنا.

[[type:مقالة]]

وجوه تُسقط الأقنعة: كيف يغيرنا الآخرون