الارتباط بين وهم الذاكرة وصدق الواقع
روعة حسين
الكاتب

كيف يمكن لذاكرتنا أن تكون نقطة عمياء تقودنا أحياناً إلى أماكن وأشخاص ظننا أنهم غادروا، وأن تكون في أحيانٍ أخرى بوصلة تدفعنا نحو الأمام؟
فهي التي تُبقي مواطن سعادتنا وألمنا معلّقة، مرةً بحبالٍ من الوهم، ومرةً بيقينٍ خافت أن ما مضى لم يعد لنا، أو ربما لا يشبهنا.
أليس لدى الجميع بشكلٍ أو بآخر نية للرحيل؟ رغم هذا اليقين، تبقى بعض المشاعر قادرة على خلق رابطٍ خفي بيننا وبين مكان أو شخص، كان يوماً ما سبباً في أن نصدّق أن للسعادة وقتاً قد بدأ.
سعادة نحملها معنا، وتكبر داخلنا، حتى يصبح من الصعب لاحقاً الاعتراف بأنها لم تكن دائمة كما ظننا، مهما حاول العقل إقناعنا بذلك.
الارتباط بسعادة لم تكتمل
وما بين جمال المواقف وروعة الأحلام المنتظرة، تبقى المشاعر معلقة بحبالٍ من الوهم، تمر الأيام ويأتي العناق الأخير، لتدرك أن من طرق بابك هو حب دفعته الرياح باتجاهٍ واحد، وأنك الآن واقعٌ في فخ التعلق منتظراً عوناً يبدو العثور عليه مستحيلاً.
فلماذا نبقى مرتبطين بأشخاصٍ لم يقابلوا حبنا بالمستوى الذي أردناه، لنبقى أسرى سعادةٍ تشبه زهرة الهندباء؛ جميلة في اكتمالها، لكن لا قدرة لها على المقاومة.
نحن لا نرتبط بقدر ما نعاني صعوبة في تقبّل أن شيئاً أو شخصاً منحنا سعادةً داخلية لم تكن حقيقيةً بالقدر الذي تخيلناه.
وكما تُبقي الذاكرة قلوبنا رهينة حبٍ لم يكتمل، فهي لا تكتفي بذلك، بل تمتد لتُبقينا مرتبطين بأماكن ظننا أننا غادرناها.
نحن لا نرتبط بالمكان وحده
ارتباطنا بالأماكن التي ألفناها يعود في نهاية المطاف لأشخاص عشنا معهم فيها. هناك كونّا حياةً منحت ذاكرتنا ودون إرادتنا، سلاحاً تستخدمه لصالحنا تارةً، وتصوبه نحونا في أوقاتٍ أخرى.
فمن الصعب لإنسان أن يرتبط بمكان حمل له ذكرياتٍ سيئة، مهما بلغ من الجمال، ذاك أن أعيننا لا تلتقط سحر المكان إلا إذا رأته بعين المحب.
وهو ما يفسره علماء النفس، ضمن ما يُعرف بمفهوم Place Attachment، أن تعلقنا بالأماكن لا يرتبط بالمكان ذاته بقدر ما يرتبط بما عشناه فيه من مشاعر وتجارب، إذ تتحول بعض الأماكن مع الوقت إلى جزء من ذاكرتنا وهويتنا النفسية. فنحن لا نشتاق دائماً إلى مدينة أو شارع بحد ذاته، بل إلى النسخة التي كنّا عليها هناك، وإلى الشعور الذي منحنا إياه في مرحلة معينة من حياتنا. ولهذا تبدو المغادرة أحياناً أشبه بفقدان جزءٍ من الذات، لا مجرد الابتعاد عن بقعة جغرافية.
لماذا نخاف المغادرة؟
نخاف المغادرة كما نخاف التعلق أيضاً، ولهذا نجيدهما معاً؛ فبينما يبرع بعضنا في مغادرة من يحب، يبقى آخرون عالقين في محطةٍ هم ركابها الوحيدون. تعمل الذاكرة حينها على إبقاء ذلك الفتيل مشتعلاً داخلنا، مستمرةً في استحضار اللحظات التي جعلتنا مرهونين لوقتٍ مضى فعلياً، لكننا بقينا واقفين عنده.
عادةً ما نرتبط بالأماكن لأنها كانت شاهدة على جزءٍ منا كان حياً فيها، ولعل ارتباطنا بشخص ما عائدٌ إلى ما شاهدناه فيه من انعكاس لشيءٍ بحثنا عنه طويلاً، وهو ما يجعل من فكرة التخلي أمراً أشبه بالخيانة بالنسبة للبعض. فكيف لنا أن ندير ظهرنا لمن أحيا فينا ما لم نستطع نحن أن نحييه.
التعلق محاولة لمقاومة الزمن
يعمل القلب بعكس عقارب الساعة في محاولةٍ لكسب الرهان مع الوقت، فالحاضر الذي يتغير بسرعة يدفع بنا إلى محاولات مستمرة لإبقاء تلك الهوية أو ربما الذكريات حاضرة فينا خوفاً من ضياعها وتركنا عالقين خلفها.
فسعينا لرفض نهاية كانت بعيدة عما كنا نتمناه، يخلق لدينا رغبةً في إيقاف الزمن عند لحظةٍ أدركنا فيها معنى السعادة الحقيقية.
لكن هذه الرغبة تبقى أشبه بمحاولات مستحيلة. إذ لا يمكن للحياة أن تتخلى عن التمرد على رغباتنا، ولا أن تبقى على الإيقاع نفسه الذي أحببناه.
الحب والتعلق والارتباط أشياء بقدر ما يبحث عنها الإنسان بقدر ما يخافها، فهي كلمات وقعها على القلب يشبه السحر كفيلة بأن تعيد رسم علاقتنا مع الزمن.
لكنها وإن عاكستنا قد تدفعنا نحو يقينٍ ربما يكلفنا عمراً للتخلص من قيده، رغم أن مفتاحه لم يكن يوماً بعيداً عن أعيننا.
فلماذا لا نحاول اختبار شعورٍ جديد، بدلاً من محاولتنا المستمرة إحياء شعور ظننا يوماً أنه دائم؟
[[type:مقالة]]
