التغيير: الزائر الذي لا نعتاد حضوره
روعة حسين
الكاتب

في لحظةٍ غير متوقعة، قد تجد نفسك أمام مرآةٍ تجهلها، صنعها تغيير لم تختره: وظيفة تنتهي، علاقة تتبدل، أو شعور مألوف يتلاشى بهدوء. رغم إدراكنا أن التغيير ليس استثناءً بل قانونٌ ثابت، إلا أننا نخافه دائماً، كأنه يحدث للمرة الأولى. نتعامل معه كزائرٍ ثقيل، يهدد استقرارنا أكثر مما يعدنا بإمكانية جديدة.
وأمام يقيننا بأن يد التغيير تطال علاقتنا مع من حولنا، ومعرفتنا بأننا لا نملك نسخةً ثابتة عن أنفسنا أو عمن عرفناهم، يبقى السؤال الأهم إلى أي مدى يمكن أن نحافظ على ما نعتبره الأصالة داخلنا في دوامة التغيير؟
كل ما نعرفه تحت مظلة التغيير: فلماذا نخافه؟
مواجهة هذا التناقض تظل فكرة مقلقة في الوعي الإنساني. ربما لأننا نخاف في التغيير ما قد ينتزعه منا، كشعورٍ ألفناه، أو صورة اعتدناها عن أنفسنا، أو توازنٌ لم يكن الوصول إليه سهلاً.
لهذا نخشى دائماً غياب شخصٍ أحببناه، أو مغادرة مدينةٍ ألفنا شوارعها، ولا يكف تغيّر الناس في تعاملهم معنا عن مفاجأتنا. تبقى هذه التحولات عصيّة على القبول في بدايتها، قبل أن تبدأ الحياة بمحاولاتها المتكررة لتُعلّمنا الاعتياد عليها؛ تنجح أحياناً، وتعجز أحياناً أخرى عن سلبنا أثر من سكنوا فينا.
لذلك لا يبدو التغيير في وعينا مجرد تحولٍ عابر، بل اختباراً حقيقياً لما نظنه ثابتاً فينا.
ماذا نخسر عندما يتبدل كل شيء؟
الخسارة في التغيير ليست واحدة؛ فهي تختلف باختلاف التجربة الإنسانية. قد تتمثل في أشخاص، أو أماكن، أو علاقات، أو حتى إحساساً داخلياً بالأمان، ومع ذلك لا يقودنا التغيير بالضرورة إلى خسارة، بل قد يأخذنا نحو سعادةٍ بطعمٍ جديد. ولعل أهم قاعدة للتعامل معه هي أن تتحرك وفقاً لإيقاعه لا أن تقاومه، وأن تنغمس فيه دون أن تفقد ما يجعلك فريداً وأصيلاً.
ولو اقتربنا قليلاً من مقاربات علم النفس، لوجدنا أن بعض مدارسه ترى أن التغيير لا يحدث كقفزة مفاجئة، بل كعملية تراكمية تبدأ بفكرة، تتعزز بسلوك، ثم تتحول مع الوقت إلى هوية.
التغيير لا يبدل حياتنا فقط… بل يبدلنا نحن
هل يمكن أن نحافظ على “أصالتنا”؟
التغيير لا يعيد ترتيب حياتنا من الخارج فحسب، بل يعيد تشكيلنا من الداخل أيضاً. فكل تجربة، وكل علاقة، وكل ظرف نمر به، يترك أثره في طريقة استجابتنا للعالم من حولنا، دون أن ندرك أن سهام التغيير قد أصابتنا.
وتبقى المعركة الحقيقية مع التغيير في تلك الإشكالية: هل يمكن للإنسان أن يحافظ على “أصالته” وسط هذا التحول المستمر؟
الأصالة هنا لا تعني الجمود أو الثبات، بل تعني الحفاظ على الجوهر متمثلاً بالقيم، والحدود الأخلاقية، وطريقة النظر إلى الذات والعالم. فالتغيير يفرض على الإنسان أن يتبدل، لكن يبقى عليه أن يحافظ على نسخته النقية في داخله، وأن يبقيها بعيدة عن انقلابات الموازين الأخلاقية في يومنا هذا.
لو نظرنا إلى التغيير كعملية تذوب فيها بعض المواد لتتخذ شكلاً جديداً دون أن تفقد هويتها، وبإسقاط هذه الفكرة علينا نحن البشر، فإن التغيير لا ينبغي أن يتحول إلى انصهارٍ كامل في التحولات الخارجية، بل إلى حالةٍ من إعادة بلورة لشخصياتنا.
فالاختبار الأهم ليس في أن نبقى كما نحن، بل في أن نكون أكثر وعياً، أن نتغير دون أن نتخلى عن إنسانيتنا، وأن نكون أقوى دون أن نصبح أقسى، وأكثر مرونة دون أن نفقد مبادئنا.
لم تضع الحياة التغيير كأحد خياراتنا، بل هو حقيقة فرضت علينا، لذا فإن المعادلة ليست في تجنب التغيير بل بالمرور عبر آلته والخروج منها دون أن نفقد ما يجعلنا نحن، ذلك أن الكثير منا خرج خاسراً منها رغم اعتقاده عكس ذلك.
فهل يمكن لنا أن نعتاد فكرة أن للحياة فصلاً خامساً، هو التغيير؟
[[type:مقالة]]
