شعار ملامح الماءملامح الماء
العودة إلى المقالات
مقالة٢٠٢٦/٠٧/١٠٤ دقائق

هل نحب فعلاً أم ننجو عبر الحب؟

روعة حسين

الكاتب

هل نحب فعلاً أم ننجو عبر الحب؟

ماذا أردتَ حقاً من الشخص الواقف أمامك حين قلت له تلك الكلمة التي نبحث جميعاً عن سماعها؟ وكيف تترجم كلمة «الحب» بلغة عالمك الداخلي؟

لا اختلاف على الحب، بل على ما نخفيه داخله. فتلك العاطفة التي توصف بأنها أنقى ما في الإنسان، تُبنى على احتياجاتنا نحن، إذ نطلب منها الأمان، أو الاستقرار، أو الهروب من الوحدة، أو ربما ترميم ندوب ما كسرته الحياة فينا.

ولهذا، فإن حديثنا عن الحب، لا يعني أبداً أننا نصف ذات الشيء، ومع ذلك، نستمر في استخدام الكلمة نفسها، وكأنها تحمل المعنى ذاته لنا جميعاً.

فهل الحب شعور واحد فعلاً، أم أننا نستخدم الكلمة نفسها لوصف احتياجات مختلفة يمكن أن نختصرها بكلمة "المصالح" أو "الاحتياجات"؟

الحب بوصفه احتياجاً إنسانياً

تجد نفسك أحياناً أمام شخص يختلف عنك في تفكيره وطريقة تعامله مع الحياة، يبدو من الخارج صلباً واضح الحدود، لكنه يثير فيك شعوراً لايمكنك تفسيره بالكامل. ربما لأنك لا ترى فيه اختلافه فقط، بل ترى فيه سعادةً تلامس نقصاً خفياً داخلك أو تخفف ثقلاً تحمله بصمت.

ومن هنا يحق لنا النظر إلى الحب بوصفه سعادةً لا يمنحها أحد سوى ذاك الشخص، ويجوز لغيرنا أن يرى في تلك المشاعر نوعاً من الاحتياج الإنساني الذي يأخذ شكلاً عاطفياً. ليس بالضرورة احتياجاً مادياً، بل حاجة داخلية للاتصال بالآخر.

فإذا كان الأمر كذلك، لماذا تبدو كلمة “مصلحة” مزعجة حين تُستخدم لوصف الحب من قبل البعض؟

حب أم مصلحة:

تختلف الصورة أمام مرآة الحب، وتختلف معها رؤيتنا لهذا الشيء الذي نتفق عليه نحن البشر، وننقسم في جوهره. فبينما يراه البعض أسمى ما قد يختبره الإنسان، ينظر إليه آخرون بوصفه حاجةً حملت اسماً أكثر شاعرية.

فثمة من يحاول نزع الكلمات المنمقة عن الحقيقة، إذ أن ما يدفعنا نحو الآخر ليس الحب بحد ذاته، بل حاجتنا إلى شيء نجده فيه ونفتقده نحن. وفي نظر هذا الفريق، فإن ما نسميه حباً قد يزول بمجرد انتهاء الحاجة التي أبقت عليه حياً.

وعلى النقيض تماماً يرى آخرون أن الحاجات المتبادلة هي الأساس الذي يُبنى عليه الحب، وأن استخدام كلمة مصلحة ليس إلا ضرباً في جوهر الإنسان وتجريده من أي قيمة نقية بعيداً عن المصالح مهما اختلفت ماهيتها.

وهكذا، نقف أمام رؤيتين متناقضتين: واحدة ترى في الحب أجمل ما قد يحصل للإنسان، وأخرى ترى فيه غاياتٍ حملت اسماً مستعاراً أكثر رقةً لتصل إلى وجهتها.

فربما حتى أكثر مشاعرنا خصوصية تحمل في داخلها أثر الزمن الذي وُلدت فيه، لتبقى تحت ثقل العالم الذي نعيشه.

اقتصاد العلاقات:

ترمي الحسابات الواقعية بظلها على كل شيء، بما في ذلك المشاعر التي أحب الإنسان طويلاً أن يتخيلها بعيدة عن تعقيدات المال والحساب. لكن الواقع، بثقله المتزايد، لم يترك العلاقات بمنأى عنه، حتى أصبح الاستقرار جزءًا من الجاذبية نفسها، لا مجرد تفصيل جانبي فيها.

وربما لهذا لم يعد كثيرون يبحثون فقط عمّن يحبون، بل عمّن تبدو الحياة معه أكثر احتمالاً. فالأزمات الاقتصادية المتكررة، والخوف المستمر من المستقبل، جعلا فكرة “الشريك القادر على توفير الراحة” أكثر جاذبية من فكرة بناء هذه الراحة معاً من الصفر.

وربما لهذا أيضاً، تغيّرت تصورات كثيرين حول العمل والعلاقات معاً، فلم يعد بعضهم يبحث فقط عن الحب أو التفاهم، بل عن شريك قادر على حمل العبء الكامل للحياة، في ظل عالم يبدو فيه الأمان رفاهية أكثر منه حقاً طبيعياً. وبعيداً عن حق كل طرف في اختيار ما يريد، يبقى السؤال: ماذا عن حق الطرف الآخر في شريكٍ يقف معه أمام تقلبات الحياة، لا وسيلةً للنجاة الفردية منها.

وإلى أي مدى يمكن لعلاقة تأسست على الطمأنينة المادية أن تصمد عندما تُختبر في ما هو أبعد من المال؟ ولاسيما أن جبروت الحياة لا يقاس بالمادة فقط.

تناقض البشر في الحب

لسنا مختلفين على الحب بقدر ما نحن مختلفون على ما نظنه حباً أصلاً، فكلٌّ منا يسميه وفق تجربته ورؤيته للحياة تلك الرؤية التي تنعكس على كل شيء، بما في ذلك الحب.

يبدو لنا السؤال عنه بديهياً أو ربما ساذجاً أحياناً، لكننا ما أن نحاول الإجابة بشفافية كاملة، حتى نكتشف سريعاً أن ما اعتبرناه واضحاً لا يصمد عندما يُختبر في الواقع.

قد يكون ما نسميه حباً محاولةً لملء فراغ لا نعرف اسمه، مهما اختلفت غاياتنا، ومهما ابتعد فريق منا عما يراه شاعرية بعيدة عن الحقيقة. غير أن المشكلة تكمن في معاملته كأنه مفهوم واحد ثابت، بينما هو محكوم بتغيّرنا نحن.

فهل المشكلة في الحب؟ أم في تعريفنا له منذ البداية؟

لم يكن الحب يوماً رواية بذاك النقاء الذي تخيلناه، ولم يكن من العدل اختزاله ضمن مصالح باردة كما يحاول البعض.

وبين ما أراه أنا وتراه أنت يبقى الحب تلك الغاية التي تحمل تفاصيلنا الخاصة، لننسج بها طريقنا نحو من يشاركنا هشاشتنا.

ولهذا، قد لا تكمن المشكلة في الحب نفسه، بل في محاولتنا المستمرة لوضعه داخل صورة مثالية لا تشبه البشر بقدر ما تشبه الحكايات.

[[type:مقالة]]

هل نحب فعلاً أم ننجو عبر الحب؟