بين القاضي والإنسان: لماذا نحكم بسرعة على الآخرين؟
روعة حسين
الكاتب

"لقد أخطأت في فهم الحياة"، قالها لي يوماً أحدهم ببساطة، توقفت قليلاً ثم اعتقدت أنه أخطأ في فهمي، ودون أن يشعر سبقته المطرقة وأصدر حكمه. أصدر كل منا حكمه، أخطأنا أو أصبنا لا فرق، فغالباً ما نطلق أحكامنا وندير ظهرنا ونمضي . فكل قصة سواء كنت أحد أبطالها أو مجرد مستمعٍ لها، تبدو للوهلة الأولى أنها محكومة بثوابت أخلاقية، حتى تغرق في تفاصيلها وتغيب ظروفها ماعرفت من ثوابت. لتقف حائراً أمام خسارة ما عرفته غير قابلٍ للجدل مقابل ما اعتقدت أنه أضعف من أن يكون حتى موضعاً للنقاش.
الحكم السريع طبيعة بشرية
نميل نحن البشر بطبيعتنا إلى إطلاق أحكامٍ سريعة مبنية على فطرتنا أو ما خبرناه من مواقف، دون أن نتعب أنفسنا في معرفة تفاصيل لها أن تقلب كل الموازين. لطالما كانت الثوابت الأخلاقية بالنسبة لي معيار الحكم والنقطة التي تُنهي أي جدل، حتى بدأت الحياة تثبت لي صحة تلك الجملة التي سمعتها. وقتها لم أعطِ لذلك الكلام أهميةً تُذكر، إلى أن بدأت تتوالى المواقف التي تؤكد ذلك. لم أفهم حينها، هي الحياة بدأت تجعل مني شاهدةً على مواقف أعادتني للتفكير فيما سمعت، أم هو الكلام بقي عالقاً في ذهني دون أن أدرك ذلك.
ببساطة، مازالت المعايير الأخلاقية هي الثابت الوحيد بالنسبة لي، إلا أنني بدأت أتعامل بمرونةٍ أكبر مع مواقف من قبلوا أن تكون ظروفهم هي الغالب.
القصة ليست كما تبدو
أدرك تماماً أنني في كثير من الأحيان أتعامل مع الحياة باللونين الأبيض والأسود، دون أن أفتح عيني للألوان التي تضيفها الظروف أو الرغبات الشخصية للبعض، إذ أن ما أعتبره محرماً قد يكون بالنسبة لهم أمراً مشروعاً، أكثر من أحكامي التي أطلقها كمستمعٍ لم يكن في دوامة ما عايشوه.
كثيرة هي المواقف التي يمكن ذكرها، وهنا أستطيع القول بأنني غالباً ما كنت أتخذ موقفاً حاداً من أشخاصٍ تعاملوا مع غيرهم بطريقة تتعارض مع المقبول من وجهة نظري، لأتفاجأ بطريقة تعاطي من اعتبرتهم ضحايا القصة. وأدرك بعدها أن ثوابتي هي الحكم في القصص التي أكون أحد أبطالها، لا تلك التي أكون فيها مجرد شاهد لا حول له سوى أن يراقب، متسائلاً إلى أين تقودنا الحياة في النهاية؟.
تأثير الظروف والتجارب الشخصية
بعيداً عنا نحن البشر وانقسامنا بين معسكري المنطق والعاطفة، فإن أحكامنا تبنيها تجاربنا وظروفنا وبالتأكيد الشخصية التي أجادت فطرتنا وحياتنا إنتاجها.
وبالتالي فإن سبب تعارضنا في التعامل مع المواقف المختلفة، عائد إلى ما اختبرناه من وقائع منذ طفولتنا وحتى اللحظة التي نعيشها الآن ونبني فيها أحكاماً تتأرجح ما بين العدل والظلم.
قبل أن نحكم
هل فكرت يوماً كم حكماً سريعاً تصدر في اليوم؟ لا داعي للتوتر — إذ أن علم النفس يؤكد أن الحكم السريع على الآخرين هو سلوك بشري طبيعي، يُعرف بـ "الحكم التلقائي" أو الـ"Snap Judgment". وبهذا فإن دماغنا يميل لتصنيف الأشخاص والمواقف بسرعة لتوفير الطاقة، خاصة في المواقف الاجتماعية المعقدة. لكن هذه الأحكام غالباً ما تكون سطحية، لأنها تعتمد على المظاهر الأولى أو معلومات محدودة. فهي تتجاهل العوامل الخفية مثل الظروف الشخصية والتجارب السابقة للفرد، والتي تعتبر المحرك الأساسي للمواقف.
نكوّن نحن الناس غالبًا انطباعاً أولياً خلال ثوانٍ فقط من مشاهدة شخص يتصرف بطريقة معينة، وانطباعنا يبقى ثابتاً حتى بعد معرفة تفاصيل إضافية عن ظروفه. وهو ما يدفعنا للتساؤل متى نتخلى نحن البشر عن إصدار أحكامٍ صارمة على الآخرين دون أن نفهم سياق حياتهم الحقيقي؟
وإن كانت المرونة هي المفتاح لنصبح قادرين على فهم الحياة أكثر، فإن الالتزام بالثوابت الأخلاقية يبعدنا عن أذية الآخرين على الأقل. ويبقى السؤال: هل نُحسن نحن البشر استخدام موهبتنا في إطلاق الأحكام؟
إذ أن المشكلة تكمن في أننا ننسى أن كل حكم لا يُبنى على القصة الكاملة ليس حكماً، بل انطباعاً.
[[type:مقالة]]
